المبدأ الخفي بين النفس و العالم
عن المبدأ الداخلي المحرّك للإنسان
ثمّة في داخل الإنسان ما يتحرّك، حركةً لا يسهل إدراجها في تصنيفٍ محدّد، ولا إخضاعها لتعريفٍ قاطع. شيءٌ لا يُمسَك بالكلمات كما تُمسَك الظواهر المادّية، ولا يُحاط بوصفٍ دقيق مهما طال التفصيل. ولعلّ الإشكال لا يكمن في غموض التجربة بقدر ما يكمن في قصور اللغة ذاتها عن احتواء ما يتجاوز حدود الحسّ المباشر.
لستُ على يقينٍ من أن المفردات قادرة على نقل هذه الحالة على نحوٍ كامل، غير أنّني أدرك — بيقينٍ داخلي — أنّها حالةٌ مشتركة، مررتُ بها من قبل، ومررتم بها أنتم أيضًا في لحظات متفرّقة من التجربة الإنسانية، وإن اختلفت صورها وتجلّياتها.
المفارقة هنا أنّ الحديث يدور عن حالةٍ غير مادّية، لا يمكن للعلم التجريبي، ولا للأدلّة المحسوسة، أن تنهض وحدها بتفسيرها أو الإحاطة بأسبابها. ومع ذلك، فإنّ أثرها لا يُنكر؛ إذ كلّما ارتقى هذا الأمر في داخلي، ازداد حضوري الإنساني وضوحًا، واتّسعت قدرتي على الفهم، والتعاطف، والاتّصال بذاتي وبالآخرين. وكلّما خبا أو انخفض، تراجعت هذه الصفات، وكأنّ الإنسان يفقد شيئًا من جوهره دون أن يفقد شكله.
وإزاء هذه التجربة الداخلية التي يصعب ضبطها بالوصف المباشر، بدا لي البحث عن مسمّياتها وإسناداتها في حقولٍ معرفية متعدّدة؛ في الفلسفة، وعلم النفس، والفكر القديم، لا طلبًا لتطابقٍ تام، بل سعيًا لفهم الكيفية التي حاول بها الإنسان — عبر تاريخه — مقاربة هذا المعنى الكامن في داخله.
في علم النفس التحليلي، أُشير إلى قوّة محرّكة أساسية عُرفت باسم «الليبيدو»، ورُئي فيها الدافع الجوهري للسلوك الإنساني، ومصدر الرغبات، ومحرّك التوتّرات الداخلية. وعلى الرغم من ربط هذا المفهوم في بداياته بالبُعد الغريزي، فإنّ أهميّته تكمن في إقراره بوجود مبدأ نفسي فاعل، غير مرئي، يُسهم في تشكيل مسار النمو والتعبير الإنساني.
ثم جاء توسيع هذا التصوّر، حين أُعيد تعريف هذا المبدأ بوصفه «طاقة نفسية» عامة، لا تقتصر على الغريزة، بل تتجلّى في البحث عن المعنى، وفي الإبداع، وفي التديّن، وفي التوق إلى الاكتمال. وبهذا الانتقال، لم تعد القوّة المحرّكة مقتصرة على الرغبة، بل غدت أساسًا داخليًا للتحوّل والتطوّر.
وفي الفلسفة الصينية القديمة، وُجد تصوّر موازٍ في بنيته وإن اختلف في لغته، تمثّل في مفهوم «تشي»؛ وهو مبدأ الحياة الذي يسري في الإنسان والطبيعة على السواء، وتُفهم من خلاله الحركة، والتوازن، والاختلال. لم يكن هذا المفهوم توصيفًا مجازيًا، بل جزءًا من رؤية كونية متكاملة ترى الإنسان امتدادًا للنظام الطبيعي، لا كيانًا منفصلًا عنه.
وعلى النقيض من هذه المقاربات النفسية والفلسفية، يقدّم العلم الحديث توصيفات دقيقة لظواهر كونية لا يجوز إسقاطها مباشرة على التجربة الإنسانية الداخلية. فبعض المفاهيم الفيزيائية المعاصرة تُستخدم لوصف مكوّنات غير مرئية في بنية الكون، ويُستدلّ على وجودها من خلال آثارها، دون أن يكون لها أي دلالة نفسية أو ذاتية. وأي تشابه يُستحضر هنا لا يتجاوز حدود الاستعارة، ولا يرقى إلى توصيف علمي مشترك.
ومع تعاقب الأزمنة، مالت بعض الخطابات الحديثة إلى جمع هذه المفاهيم المتباينة تحت مسمّيات عامة، تُستخدم أحيانًا بلا تمييز تاريخي أو معرفي. غير أنّ هذا التبسيط، على الرغم من شيوعه، يُخفي الفروق الدقيقة بين ما هو نفسي، وما هو فلسفي، وما هو علمي، ويُفرغ التجربة الإنسانية من عمقها حين تُختزل في مصطلح واحد عابر.
ومع ازدياد حضور هذا المبدأ الداخلي في تجربتي، بدأت ألحظ ظهور مجموعة من الصفات النفسية المتّسقة، يقابلها تغيّر ملموس في كيفية تفاعلي مع العالم من حولي. وعلى العكس من ذلك، حين يتعرّض هذا الحضور للانحسار أو التعطيل — سواء بفعل عوامل داخلية أو ظروف خارجية — يطرأ اختلاف واضح في ملامح الشخصية، وفي طبيعة الإدراك، وفي صورة العالم ذاتها.
ومن هنا، شرعت في تتبّع هذه التحوّلات بعناية، لا بوصفها حالات عابرة، بل باعتبارها أنماطًا متكرّرة تحمل دلالات أعمق. ففي هذا المنظور، يبدو العالم متماسكًا كما هو، لا مثاليًا بمعنى الكمال، بل منسجمًا في بنيته، قابلًا للفهم والتعامل دون شعور دائم بالصراع أو المقاومة. تتبدّل النظرة إلى الذات وإلى الآخرين، وتسقط كثير من الأحكام المسبقة التي كانت تُتّخذ سابقًا بوصفها حقائق نهائية.
وفي العلاقات الإنسانية، يطرأ تحوّل ملحوظ؛ إذ يسهل التخلّي عمّا لا ينسجم مع القيم الداخلية، ويتّجه الانتباه تلقائيًا نحو ما يبعث على الطمأنينة والارتياح. وتتحوّل اللحظة المشتركة إلى فعل مشاركة واعٍ، يُعاد فيه النظر إلى العلاقة باعتبارها تقاسمًا للتجربة الإنسانية، لا ساحة اختبار أو إثبات. ويغدو السؤال الضمني: هل يضيف هذا التشارك معنى وارتياحًا؟ فإن كانت الإجابة إيجابية، نشأت علاقات أكثر استقرارًا وأقل استنزافًا.
وعلى الضفّة المقابلة، حين ينحسر هذا المبدأ الداخلي أو يضطرب مساره، لا يحدث ذلك بمعزل عن الإنسان ذاته. فغالبًا ما يكون التعطيل نتيجة منظومات من الظنون والمعتقدات الخاطئة، تُلتقط أحيانًا بوعيٍ جزئي، وأحيانًا أخرى دون وعي، ثم تستقر في البنية النفسية بوصفها مسلّمات غير مفحوصة.
في هذا السياق، تغدو الحياة أكثر مشقّة، ويُستبدل الانسياب بالمقاومة، ويصبح الفعل اليومي محتاجًا إلى جهدٍ مضاعف. وتتراكم خيبات الأمل، وتتصدّع العلاقات، وتخفت مظاهر البهجة، لتحلّ محلّها الشكوى والانكفاء والانشغال المستمر بسرد المعاناة.
ومع استمرار هذا النمط، تبدأ العلاقة مع الذات بالتفكّك، ويظهر إرهاق نفسي ينعكس على الجسد. تتغيّر العلاقة بالغذاء، وتتراجع الحركة، وتظهر الأعراض الصحية، فتتحوّل الموارد إلى نفقات علاجية، ويضيق هامش العيش. وعلى المستوى المعرفي، تتشوّش القدرة على الفهم، فتُسمع الكلمات دون إنصات، وتبدو المعاني ناقصة أو مبهمة، ويغدو الممكن بعيد المنال.
وفي الختام، لا يكتمل هذا الطرح دون الإشارة إلى جملة من الممارسات البسيطة، التي لا تُقدَّم بوصفها حلولًا نهائية، بل باعتبارها وسائل تساعد الإنسان على ترجيح المسار الأكثر حيوية واتّساقًا مع ذاته. يبدأ ذلك بالتخفّف ممّا يُثقل النفس، ومراجعة العلاقات دون صدام، ورسم الحدود بوعي واحترام. كما يشمل التغيير التدريجي في العادات الصحية، وإعادة النظر في العلاقة بالغذاء والحركة بوصفهما عنصرين داعمين للتوازن لا عبئًا إضافيًا.
ويمتدّ هذا الاتّزان إلى إدارة الموارد، وتوظيف المهارات، وحماية الوقت، وتشكيل ذائقة فنية وأدبية تميل إلى الصفاء والجمال. ومع هذا التحوّل، يتشكّل ما يمكن وصفه بحالة من الاكتفاء الداخلي، لا تقوم على الانعزال، بل على الاستغناء عن التعلّق المفرط.
وهكذا، لا يكون هذا المسار دعوة إلى المثالية، ولا وعدًا بزوال المعاناة، بل محاولة واعية للعيش بخفّة أكبر، ومسؤولية أعمق، وانسجام أوضح مع الذات ومع العالم.
التعليقات
لا يوجد أي تعليقات لعرضها.
تسجيل الدخولمقالات أخرى

التسامح فعل نبيل اتجاه نفسك قبل الآخر
عزيزي القارئ، هل شعرت يومًا أن حمل الضغينة والغضب يثقل قلبك ويؤرق راحتك؟ هل مررتِ بتجربة تركتك جريح فوجدت نفسك تلوم الآخرين أو حتى نفسك أو القدر؟ كلنا نواجه الإساءة والألم في حياتنا، لكن التسامح
22/03/2025
الخطوة الأولى نحو النجاح
الخطوة الأولى نحو النجاحكلنا نسعى للنجاح، لكن هل نعرف أن النجاح ليس مجرد حلم بعيد؟ إنه إنجاز يومي!يبدأ بشيء بسيط و هو " تعريفك للنجاح بالنسبة لك" فالنجاحات تختلف من شخص إلى شخص . في رحلتنا نحو النجاح
02/01/2025